محمد الغزالي
66
فقه السيرة ( الغزالي )
يزوّد بها القلب كما تزوّد الطائرة بالوقود ، فتستطيع السموّ والتحليق . . . لقلنا : إنّ ظواهر الآثار مقصودة ، ولكن أمر الخير والشر أبعد من ذلك ؛ بل من البديهي أنّه بالناحية الروحية في الإنسان ألصق . وإذا اتصل الأمر بالحدود التي تعمل الروح في نطاقها ، أو بتعبير اخر : عندما ينتهي البحث إلى ضرورة استكشاف الوسائل التي يسيّر بها الروح هذا الغلاف المنسوج من اللحم والدم ، يصبح البحث لا جدوى منه ؛ لأنه فوق الطاقة . وشيء واحد هو الذي نستطيع استنتاجه من هذه الآثار ، أن بشرا ممتازا كمحمد صلى اللّه عليه وسلم لا تدعه العناية غرضا للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس ؛ فإذا كانت للشر ( موجات ) تملأ الآفاق ، وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها ، والتأثّر بها ، فقلوب النبيّين - بتولي اللّه لها - لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتزّ لها . وبذلك يكون جهد المرسلين في ( متابعة الترقي ) لا في ( مقاومة التدلّي ) ، وفي تطهير العامة من المنكر ، لا في التطهر منه ، فقد عافاهم اللّه من لوثاته . عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما منكم من أحد إلا وقد وكّل به قرينه من الجن ، وقرينه من الملائكة » . قالوا : وإياك يا رسول اللّه ! قال : « وإياي ، إلا أن اللّه أعانني عليه فأسلم ، فلا يأمرني إلا بخير » « 1 » . وفي حديث عن عائشة رضي اللّه عنها ، قال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أغرت ؟ » قالت : وما لمثلي لا يغار على مثلك ! فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لقد جاءك شيطانك ! » قالت : أو معي شيطان ؟ ! قال : « ليس أحد إلا ومعه شيطان » . قالت : ومعك ؟ قال : « نعم ، ولكن أعانني اللّه عليه فأسلم » « 2 » . أي : انقاد وأذعن فلا يستطيع أن يهجس بشرّ . ولعلّ أحاديث شق الصدر تشير إلى هذه الحصانات التي أضفاها اللّه على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فجعلته من طفولته بنجوة قصية عن مزالق الطبع الإنساني ، ومفاتن الحياة الأرضية ، وقد أورد الخازن في تفسيره القصة الأولى - أيام الرضاعة - عند تفسيره لقول اللّه عز وجلّ : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ( 2 ) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ( 3 ) . . . [ الشرح ] .
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه مسلم في صحيحه : 8 / 139 ، عن ابن مسعود . ( 2 ) حديث صحيح ، أخرجه مسلم عنها ، في الموضع السابق .